خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 30 من المحرم 1447 هـ - الموافق 25 /7 / 2025م
لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى
إِنَّ الْحَمْدَ لِلّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ( [آل عمران:102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا( [النساء:1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْخَلْقَ يَعِيشُونَ فِي فَضْلِ اللهِ وَنِعْمَتِهِ، وَيَتَقَلَّبُونَ فِي وُجُوهِ إِحْسَانِهِ وَمِنَّتِهِ، فَأَعْظَمُ نِعْمَةٍ امْتَنَّ بِهَا الْوَهَّابُ عَلَى عِبَادِهِ هِدَايَتُهُمْ بَعْدَ ضَلَالِهِمْ؛ قَالَ تَعَالَى: )يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( [الحجرات:17] فَهُوَ سُبْحَانَهُ وَاهِبُ الْآلَاءِ وَالنِّعَمِ وَدَافِعُ الْآفَاتِ وَالنِّقَمِ، وَلِذَا فَإِنَّ الْمَنَّانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ وَوَصْفٌ مِنْ جَمِيلِ نُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ؛ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ وَرَجُلٌ قَدْ صَلَّى وَهُوَ يَدْعُو وَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَدْرُونَ بِمَ دَعَا اللَّهَ؟ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ، الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ]، وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ هَذَا الِاسْمِ الْعَظِيمِ: أَنْ يَسْتَشْعِرَ الْعَبْدُ نِعَمَ الْمَوْلَى وَآلَاءَهُ فَيَحْدُوهُ ذَلِكَ لِلْعَمَلِ فِي مَحَابِّهِ وَمَرَاضِيهِ.
أَيُّهَا الْـمُسْلِمُونَ:
إِنَّ الْمَنَّ يُمْدَحُ فِي حَقِّ الرَّبِّ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ الْمُنْعِمُ عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ الَّذِي يَتَفَضَّلُ بِالْإِحْسَانِ وَالنَّوَالِ قَبْلَ الطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ، أَمَّا الْمِنَّةُ مِنَ الْخَلْقِ فَهِيَ آفَةٌ مِنْ آفَاتِ النَّفْسِ، وَمَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِ فَسَادِ الْخُلُقِ وَالطَّبْعِ، فَالتَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ وَالْعَطِيَّةِ يُشْعِرُ الْمُعْطَى بِالْمَهَانَةِ وَالْأَذِيَّةِ، فَالْمَانُّ يَخْدِشُ النُّفُوسَ الْكَرِيمَةَ وَيَجْرَحُ مَشَاعِرَهَا، وَهَذِهِ هِيَ سُنَّةُ فِرْعَوْنَ الَّذِي قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: )قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ( [الشعراء:18] فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ )قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ * فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ * وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( [الشعراء:20-22] فَمَا تَرَبَّى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي بَيْتِ فِرْعَوْنَ إِلَّا مِنْ جَرَّاءِ اسْتِعْبَادِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَتْلِ أَبْنَائِهِمْ، فَعَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَمُنُّ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَالْمِنَّةُ مِنَ اللهِ إِفْضَالٌ وَتَذْكِيرٌ، وَمِنَ الْعَبْدِ تَكْدِيرٌ وَتَعْيِيرٌ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
الْمَنُّ هُوَ ذِكْرُ النِّعْمَةِ عَلَى وَجْهِ التَّعْدِيدِ لَهَا وَالتَّقْرِيعِ بِهَا، بِأَنْ يَقُولَ الْمُعْطِي لِمَنْ أَعْطَاهُ: أَلَمْ أَتَفَضَّلْ عَلَيْكَ؟ أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أَفْعَلْ لَكَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ تَعَالَى: )الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( [البقرة:262] وَتَأَمَّلْ كَيْفَ عَبَّرَ الرَّبُّ هُنَا بِـ ( ثُمَّ) الدَّالَةِ عَلَى التَّرَاخِي حَتَّى يَبْتَعِدَ الْمُنْفِقُ عَنِ الْمَنِّ وَلَوْ بَعُدَ زَمَنُ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ، فَالْمِنَّةُ تَهْدِمُ الصَّنِيعَةَ، وَتُورِثُ الْجَفَاءَ وَالْقَطِيعَةَ.
أَفْسَدْتَ بالْمَنِّ مَا أَسْدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ لَيْسَ الْكَرِيمُ إِذَا أَسْدَى بِمَنَّانِ
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
إِنَّ الْمَنَّ خَصْلَةٌ ذَمِيمَةٌ وَخَلَّةٌ لَئِيمَةٌ يَتَعَرَّضُ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا لِبُطْلَانِ مَعْرُوفِهِ وَمَحْقِ أَجْرِ بَذْلِهِ وَعَطَائِهِ؛ قَالَ تَعَالَى: )قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( [البقرة:263-264] فَالْمَنُّ كَبِيرَةٌ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَالْمَانُّ مُتَوَعَّدٌ بِالْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَصَحَّحَهُ الْأَلْبَانِيُّ].
قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ سَقَطَ شُكْرُهُ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ حَبِطَ أَجْرُهُ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-:
لَا تَحْمِلَنَّ لِمَنْ يَمُـــــنُّ مِنَ الْأَنَامِ عَلَيْــكَ مِنَّـــهْ
وَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ حَظَّهَـــا وَاصْبِرْ فَإِنَ الصَّبْرَ جُنَّهْ
مِنَنُ الرِّجَالِ عَلَى الْقُلُو بِ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ الْأَسِنَّهْ
فَلْيَحْذَرْ صَاحِبُ الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَنِّ؛ فَإِنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْعَمَلِ، وَمُوغِرٌ لِلصَّدْرِ وَمُحْبِطٌ لِلْأَجْرِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ-؛ فَإِنَّ فِي تَقْوَاهُ سَعَادَةً لِلْعِبَادِ وَهِيَ خَيْرُ مَا يُتَزَوَّدُ بِهِ لِيَوْمِ الْمَعَادِ، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( [الحشر:18].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنْ كَانَ التَّحَدُّثُ بِبَذْلِكَ وَفَضْلِكَ عَلَى الْآخَرِينَ صِفَةً مَذْمُومَةً، فَإِنَّ تَحَدُّثَكَ بِفَضْلِ وَمَعْرُوفِ الْآخَرِينَ عَلَيْكَ صِفَةٌ مَحْمُودَةٌ، فَذِكْرُ بِرِّهِمْ وَإِحْسَانِهِمْ وَبَيَانُ سَخَائِهِمْ وَنَوَالِهِمْ مِنَ الشُّكْرِ الْمَنْدُوبِ، وَمِنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللهَ، فَهَذَا أَشْرَفُ الْخَلْقِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيدُ بِفَضْلِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَلَى الْمَلَأِ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَرِيمِ أَخْلَاقِهِ وَجَمِيلِ خِصَالِهِ وَطِبَاعِهِ -صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ وَقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ إِلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
إِنَّ النُّفُوسَ الْعَزِيزَةَ قَدْ جُبِلَتْ عَلَى بَذْلِ الْمَعْرُوفِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ مِنْ غَيْرِ إِشْعَارٍ بِالْمَهَانَةِ أَوِ الْمِنَّةِ، فَهَذَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ إِلَى مَدْيَنَ طَرِيدًا شَرِيدًا يَبْحَثُ عَنِ الطَّعَامِ وَالْمَأْوَى، فَلَمَّا رَأَى تِلْكَ الْفَتَاتَيْنِ دَعَتْهُ فِطْرَتُهُ السَّلِيمَةُ وَأَخْلَاقُهُ النَّبِيلَةُ إِلَى إِعَانَتِهِمَا وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ لَهُمَا؛ ) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ([القصص:24] وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ مَنْ يَنْسَى الْمَعْرُوفَ وَلَا يَذْكُرُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
يَنْسَى الَّذِي كَانَ مِنْ مَعْرُوفِهِ أَبَدًا إِلَى الرِّجَالِ وَلَا يَنْسَى الَّذِي يَعِدُ
قَالَ رَجُلٌ لِمُسْلِمِ بْنِ قُرَيْشٍ: لَا تَنْسَ حَاجَتِي أَيُّهَا الْأَميرُ، فَقَالَ: لَنْ أَنْسَاهَا إِلَّا إِذَا قَضَيْتُهَا.
فَالْمَعْرُوفُ لَا يُجَمَّلُ إِلَّا بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: تَصْغِيرُهُ وَتَعْجِيلُهُ وَسَتْرُهُ، قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ شُبْرُمَةَ: فَعَلْتَ بِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، وَأَعْطَيْتَ فُلَانًا كَذَا وَكَذَا فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إِذَا أُحْصِيَ.
فَحَافِظُوا عَلَى إِحْسَانِكُمْ بِالْكِتْمَانِ وَالْخَفَاءِ وَرَاعُوا مَشَاعِرَ إِخْوَانِكُمْ عِنْدَ الْبَذْلِ وَالْعَطَاءِ.
اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَلْهِمْنَا شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَدَوَامَ عَافِيَتِكَ، وَجَنِّبْنَا فُجَاءَةَ نِقْمَتِكَ وَجَمِيعَ سَخَطِكَ، وَبَارِكِ اللَّهُمَّ لَنَا فِي أَوْقَاتِنَا وَأَمْوَالِنَا، وَأَوْلَادِنَا وَأَزْوَاجِنَا، وَاغْفِرِ اللَّهُمَّ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِلْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، اللَّهُمَّ وَفِّقْ أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمَا فِي رِضَاكَ، وَأَلْبِسْهُمَا ثَوْبَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ وَالْإِيمَانِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة